موقع نشر آثار العلامة المدرس الأفغاني

السيرة الذاتية

كان سماحة آية الله الأستاذ العلامة الشيخ محمد علي المدرس الأفغاني «قدس سره» من كبار أساتذة الأدب العربي في الحوزات العلمية في النجف الأشرف وقم المقدسة، وقد تتلمذ على يديه العديد من الأعاظم والعلماء الأعلام المعاصرين في دروس المقدمات والأدب. وهو والد زوجة المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض.
ولد سماحته عام 1284 هجري شمسي في قرية "كرم خوش" التابعة لمنطقة "خاربيد" في جاغوري الواقعة في محافظة غزني بأفغانستان. في صغره وبسبب فقدان والدته، توجه مع والده إلى مشهد الإمام الرضا (عليه السلام) وبدأ تحصيله العلمي في الكتاتيب بجوار المرقد الطاهر لذلك الإمام الهمام. وفي سن الثانية عشرة تعلم "شرح النظام" لدى "الأديب النيشابوري الأول" واهتم بإكمال دروس المقدمات الأخرى. لم تدم حلاوة بداية طلب العلم للأستاذ طويلاً بسبب وفاة والده الكريم، ولهذا السبب نوى بجوار سلطان سرير الارتضاء أن يسكن ويأوي في مثل هذا اليوم من العام القادم بجوار مرقد سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين «عليه السلام». لكن تحقيق هذه النية لم يكن ميسوراً بسبب الفقر المادي الشديد إلا من خلال المشي على الأقدام، فعزم على السفر بهذه الطريقة.
بعد ثلاثة أشهر من المشي ومن شدة التعب والمرض وسوء التغذية والجروح، أصيب جسد الأستاذ بالعدوى، لدرجة أن المسافرين الذين كانوا يسكنون في خان يقع على بعد 30 كيلومتراً من قم، امتنعوا عن التواصل معه والاعتناء به ظناً منهم أن مرضه معدٍ. وصل هذا الخبر إلى مؤسس الحوزة العلمية المباركة في قم، المرحوم آية الله الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري «رضوان الله عليه»، فأمر ذلك الزعيم عالي المقام بنقل الشيخ محمد علي إلى مستشفى دار الشفاء، وبعد تحسنه النسبي، واطلاعه على الهدف المقدس للأستاذ، عاده شخصياً وتفقده بنفسه.
بعد شفاء جروحه والعدوى، توجه الأستاذ إلى العراق، وبعد مشقات كثيرة ومنع متكرر من دخول العراق، وصل أخيراً إلى بغداد قبل يومين من الأربعين الحسيني، وبعد زيارة الإمامين الكاظمين «عليهما السلام»، ومن أجل أداء نذره، توجه بيأس وإحباط عبر النهر بقارب إلى كربلاء المقدسة، وتشرف بزيارة أبي عبد الله الحسين «عليه السلام» يوم الأربعين بعد اكتمال عام من بداية سفره.
بعد بضعة أيام عاد مجدداً إلى الكاظمية، ومن أجل إكمال سفره المعنوي سيراً على الأقدام، توجه من تلك المدينة إلى كربلاء المقدسة، وبعد إقامة لمدة شهر، دخل الأرض المقدسة العلوية «عليه السلام» في النجف الأشرف، وبعد أداء مراسم الزيارة وتقبيل عتبة تاج الموحدين أمير المؤمنين «عليه السلام»، تعرف تدريجياً على عدد من الطلاب الأفغان والخراسانيين وفتح باب الصداقة والمراودة.
بعد مدة من البحث والتحقيق عن المدارس العلمية في تلك الديار وكيفية تدريس الأساتذة، عزم أمره أخيراً، وعلى الرغم من أنه كان قد تعلم الأدب ومقداراً من شرح اللمعة والمنطق في الحوزة المباركة بمشهد، إلا أنه بدأ مجدداً في حوزة النجف دراسة الأدب والمنطق والفقه والأصول والكلام بجدية كاملة، وكان ذلك في وقت كان يصارع فيه الأستاذ فقراً مالياً شديداً، لدرجة أن بعض أبناء مدينته الذين جاؤوا لزيارة العتبات المقدسة ودخلوا حجرته، وضعوا له بعض المال خفية تحت الحصير لما رأوا من وضعه المرقق للقلوب. ورغم هذه الظروف الشاقة، انشغل الأستاذ بجدية في اجتياز السطوح وبدأ التدريس إلى جانب التحصيل، وبعد حوالي أربع سنوات، اشتهر في حوزة النجف وفي الأدب العربي. كان تسلطه في الأدب العربي والعلوم الحوزوية لدرجة أنه نال اهتمام اثنين من أساطين الفقاهة والمرجعية، وهما آيات الله العظام المرحوم السيد أبو الحسن الأصفهاني والمرحوم الميرزا النائيني، ولم يكن هذا الاهتمام بلا سبب، بل إن عمق تحقيقاته وتسلطه على الأدب العربي والعلوم الحوزوية الأخرى أثار إعجاب كبار ومسؤولي جامعة الأزهر في مصر، وأرسلوا وفداً لدعوته رسمياً لتولي رئاسة قسم الأدب العربي في تلك الجامعة. نعم! كل هذه القابليات والقدرات جعلت أساطين ذلك الزمان في النجف يحررون إجازات اجتهاده بتعابير خاصة وعالمة.
أخيراً وبعد 15 عاماً من مجاورة المرقد العلوي الأقدس «عليه السلام» وتحت أمر الزعيم عالي القدر سماحة آية الله العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني، ألقى رحل إقامته عام 1318 هجري شمسي في شمال أفغانستان بمنطقة مزار شريف ليكفل ويراعي أيتام آل محمد «صلى الله عليه وآله وسلم» في تلك الديار.
لكن يد التقدير سحبته إلى مسقط رأسه، وأقام في تلك المنطقة على مرحلتين تقريباً، وكان خلال هذه المدة مصدراً لخدمات علمية واجتماعية قيمة وخالدة.
بعد 5 سنوات عاد مجدداً إلى النجف الأشرف، وبأمر من آية الله العظمى السيد أبو الحسن الأصفهاني ذهب إلى سامراء لمدة عامين واشتغل بالتدريس. وبعد ذلك وبأمره هاجر مع عائلته لمدة عامين آخرين إلى أفغانستان. بعد رحلة ذلك الزعيم عالي القدر، رأى الصلاح في الهجرة من جاغوري وتوجه نحو كابل ومن كابل إلى قندهار ومن هناك سلك طريق كويته باكستان، ثم ركب السفينة في ميناء كراتشي متوجهاً إلى البصرة ومن البصرة عزم على النجف الأشرف، واتخذ من هذه المدينة المقدسة منزلاً ومأوى عام 1326 هجري شمسي.
اشتغل الأستاذ المدرس الأفغاني بالنشاط العلمي في حوزة النجف من عام 1326 حتى عام 1353 هجري شمسي لمدة 27 عاماً. في ذلك الوقت، شخص الأستاذ العلامة ضعف طلاب الحوزة العلمية في المباحث الأساسية وهي الأدب العربي، ورغم فضله وشهرته العلمية وقدرته التي يضرب بها المثل في إلقاء الدروس والمفاهيم العلمية المعقدة، وجه كل عمره ودروسه لتعليم الأدب العربي، وبهذه التضحية المخلصة، ترك إرثاً عظيماً في الأدب للأجيال القادمة في الحوزات العلمية.
إلى أن قام حسن البكر، الحاكم البعثي للعراق، بإخراج بعض الطلاب غير العراقيين من العراق، ومن جهة أخرى وقع انقلاب السردار داود خان ضد ظاهر شاه مما أدى إلى تشكيل النظام السياسي الجمهوري في أفغانستان. في هذه الأثناء أعلنت السفارة الأفغانية أن على جميع الأفغان مراجعة السفارة لاستبدال جوازات السفر الملكية بالجمهورية، وبما أن أكثر الأفغان لم يكن لديهم بطاقة إقامة، فكانوا يعتقلون ويسجنون إذا شاهدهم العملاء العراقيون. ولرفع هذه المشكلة ومن باب خيره وتسريع العمل، التقى الأستاذ المدرس الأفغاني شخصياً بالسفير الأفغاني في بغداد. وقد ساعد السفير الأفغاني في العراق، الذي كان شخصية أدبية وفاضلة يدعى خليل خليلي، بأن يقوم الأستاذ المدرس الأفغاني بجمع الجوازات بنفسه وأخذها للسفارة مرة أو مرتين شهرياً للحصول على الجوازات. في هذه الأثناء أبلغ الجواسيس العملاء العراقيين، فهجموا ليلاً على منزل الأستاذ واعتقلوه. وبعد مرور بضعة أيام أخبروا السفارة الأفغانية بأنه اعتقل بتهمة تزوير الجوازات. أجابت السفارة بأننا نسقنا معه وطلبنا منه المبادرة بهذا العمل لتسهيل أمر الرعايا، وأخيراً أطلق سراحه بعد مدة بوساطة وضغط من السفارة. بعد هذه الواقعة وبسبب كونه تحت المراقبة الكاملة، قرر الخروج من العراق. وفي اليوم الذي جهزت فيه تأشيرة إيران وختم الجواز بالخروج، اعتقلوه مرة أخرى، وبعد بحث طويل وبجهود سماحة آية الله العظمى الخوئي «قدس سره» تبين أنه أسير في سجن أبو غريب. وأخيراً أطلق سراحه بعد 45 يوماً وأعلنوا له أن يغادر العراق بسرعة خلال 24 ساعة.
على أي حال، دخل الأستاذ إيران عام 1353 هجري شمسي.
في بداية وروده قضى بضعة أيام في طهران ثم عزم السفر إلى مشهد لزيارة الإمام الثامن «عليه السلام»، وكان متردداً في مكان استقراره للنشاطات العلمية. وأخيراً اختار قم، وفي أقل من 6 أشهر طوى صيت الأستاذ المدرس الأفغاني أنحاء قم. خلال السنوات الـ 12 التي قضاها في قم، كان يدير 10 جلسات درس في اليوم والليلة، وقدم حوالي 4000 شريط درسي لطلاب العلم، وطبع له 6 آثار:
1- المدرس الأفضل في 7 مجلدات
2- مكررات المدرس في مجلدين
3- جامع المقدمات (تصحيح وتعليق) في مجلدين
4- رفع الغاشية من غوامض الحاشية في مجلد واحد
5- الكلام المفيد للمدرس والمستفيد في مجلد واحد
6- إعراب سورة الفاتحة في مجلد واحد
وأخيراً أصيب الأستاذ المدرس الأفغاني بعد قضاء 81 عاماً مليئة بالمنعطفات، بمتاعب وعارضة قلبية في السنة الأخيرة من عمره، وكانت هذه النوبات القلبية تحدث في فترات زمنية متقاربة.
وفي منتصف الليل تعرض لنوبة قلبية، ومشى ببطء بقدميه حتى رأس الزقاق لينقل بسيارة أحد الجيران إلى مستشفى كامكار. وهناك قال للطبيب: كأن حالة اختناق عرضت لي، ونقلوه فوراً إلى غرفة العناية المركزة (CCU)، وأخيراً سلم الروح لبارئها بعد مرور بضع ساعات.
وهكذا ارتحل المرحوم آية الله المدرس الأفغاني إلى الدار الباقية في صباح يوم الأربعاء 5 شهريور 1365 هجري شمسي، ودفن جثمانه الطاهر في مقبرة باغ بهشت (روضة الجنة) في قم، الصالة رقم 5، مقبرة عائلة آية الله الروحاني.